دول محور الشر ونظرية الفوضى الخلاقة والشرق الاوسط الجديد كلها مسميات لمشروع واحد بدأ منذ أمد بعيد تحت سمع وبصر هذه الدول المستهدفة ولم تحرك ساكنا. والوجه الابرز الذي اختير بعناية لتنفيذ هذا المخطط وزيرة الخارجية الأميركية ومستشار الأمن القومي الامريكي السابقة كوندوليزا رايس. وبالتاكيد ستلعب الدور المنوط بها لدمار الشرق الاوسط وخلق واقع جديد يتماشي مع مصالح أمريكيا وحلفائها مهما كانت كلفته ووجد هذا المشروع الجهمني تأييدا منقطع النظير من الدول الغربية وبعض الدول المؤدلجة في الشرق الأوسط نفسه لصالح هذا المشروع التدميري. واحداث الحادي عشر من سبتمبر من العام ٢٠٠١م التي هزت امريكيا كانت ضربة البداية لإكمال المشروع. وأصدرت العديد من القرارات عبر مجلس الأمن والأمم المتحدة وادت في نهايتها إلى حصار اقتصادي خانق على الدول المستهدفة وهي ( إيران... العراق ... سوريا ... اليمن ... السودان.... ليبيا .... افغانستان) وحتي يومنا هذا مازال ساري المفعول. واذا نظرنا الى واقع هذه البلدان ما قبل التدخلات الخارجية كانت تشهد نمؤا مضطردا في اقتصاداتها وذلك يعود إلى استغلال مواردها بشكلا جيد. وكانت شعوبها تعيش في وضع اقتصادي جيد وبعضها وصل بهم الحال الى مرحلة الرفاهية. وهذه الدول مجتمعة اقرب وجدانا لبعضها البعض وما يجمعهما أكثر مما يفرقها. ومطلة على معظم الممرات المائية وهي الشريان الرئيسي لحركة التجارة العالمية لذلك حاول الغرب جاهدا تأجيج الصراع الداخلي عن طريق عملائه في تلك البلدان لاحداث تغيير للهيمنة على هذه الممرات المائية وكل ذلك الهدف الأساسي منه أمن وسلامة اسرائيل. وحماقات الغرب التي يرتكبها في هذه المنطقة هدفها اضعاف شعوب هذه المنطقة ويعرف الغرب جيدا بأنها شعوب حية وقادرة على التصدي لأي مخطط يحاول العبث بقيمها وعاداتها وتقاليدها. ولذلك جاء الغرب بفكرة الحصار الاقتصادي وهو في حقيقته ( عقاب جماعي) لشعوب هذه الدول ومن خلاله حاولت الدول الغربية جاهدة احداث تغيير يذكر ودعمت حينها بما يعرف ب(ثورات الربيع العربي) التي اطاحت بعدد من رؤساء تلك الدول واستعصم بعضهم.برغم المحاولات المميتة للتغيير إلا أنها لم تنجح وبالاخص في سوريا. بالمقابل سلكت هذه الدول المستهدفة طريقا اخر لكي تعبر من خلاله الى بر الامان وتحالف معظمها مع روسيا والصين كعضوين دائمين في مجلس الأمن وكذلك نفوذهما العالمي اقتصاديا وسياسيا وعسكريا. والذي يشكل حجر عثرة للغرب وحلفائه عندما يحاولون تمرير قرارات مجلس الأمن التي تدين هذه البلدان فكانت دائما ما تستخدم الفيتو كل من روسيا والصين مما اجهض الكثير من القرارات.
واذا ما بدأنا في تقييم نتائج مشروع الشرق الأوسط الجديد وتعريفه (الفوضى الخلاقة) وما احدثه من تغييرات داخلية فجاءت نتائجه كالاتي:
السودان قد خضع لحصار اقتصادي خانق منذ العام ١٩٩٧م ورغم ذلك كان عصيا في بادئ الامر لتمرير هذا المشروع من خلال جبهته الداخلية المتماسكة وبرغم المحاولات الكثيرة لتأجيج الصراع من خلال دعم المتمردين في جنوب وغرب البلاد لم تفلح تلك المؤامرة في أحداث تغيير يذكر يصب في مصلحة مشروعهم التدميري. لذلك جنحوا للسلم ووضعوا خطة محكمة لبلوغ الهدف المنشود وسعوا وبشكل حسيس للتفاوض بين الحركة الشعبية المتمردة وحكومة السودان لوقف الحرب الدائرة بينهما منذ عشرات السنين وتم الاتفاق على المفاوضات وباشراف مباشر من دول (الترويكا) ووعدت هذه الدول في حال انجاح المفاوضات بابطال كل القرارات السابقة بشأن السودان بما فيها رفع الحصار الاقتصادي. ووضعت شرطا اشبه بدس السم في الدسم وهو (تقرير المصير) لجنوب السودان عبر استفتاء لأبنائه. وبالفعل نجحت المفاوضات وأدت الى فصل جنوب السودان وبالمقابل لم تفى هذه الدول بما وعدت وبقى الحال على ماهو عليه من حصار اقتصادي خانق. وبسببه اضطربت الاوضاع في البلاد واطيح بنظام الانقاذ الذي استنفد اغراضه لتجئ قوى الحرية والتغيير لتدق اخر مسمار في نعش البلاد وتحالفت مع اجهل من عرفته البشرية ( حميدتي) وبدعم اماراتي ومن دول جوار السوء اشعلت حربا تدميرية ممنهجة مازالت جزوتها مشتعلة الي يومنا هذا.
طبق الحصار الاقتصادي على العراق في ٦ أغسطس ١٩٩٠م بعد اجتياحه للكويت وبعد حصار دام ١٣ عاما، تم اجتياح العراق في العام ٢٠٠٣م من قبل امريكا وكان الهدف من هذا الاجتياح القضاء على اقوي جيش في المنطقة ونجحوا في ذلك وكذلك احداث صراعات قبلية وطائفية وفي نهايتها تهدف إلي عدم استقرار العراق وبدأت فعلا بعض المجموعات في تنفيذ اغتيالات لرموز سياسية وعسكرية وعشائرية وإعلامية وبفضل جهود الاجهزة الامنية وبالاخص في فترة تولي الكاظم لرئاسة الوزراء قضت على هذه المليشيات وقدمت العديد من عصاباتها الي المحاكم. ومازال الوضع في العراق يتالف من معسكرين رئيسيين سنة وشيعة وهم الان يقودان ادارة البلاد بجانب بعض القوميات الأخرى من اكراد وتركمان ويزيدين وغيرهم. والملفت للنظر بان الثمن الذي دفعته أمريكيا ابان حربها على العراق كان باهظا في المهج والارواح وخرجت من مولد العراق بدون حمص بل البديل الذي اتت به عقب سقوط حكومة صدام حسين وهو المحور الشيعي الموالي لإيران وشعاره ( الموت لامريكا) ..!؟.
فرضت على سوريا العديد من قرارات الحظر الاقتصادي وغيرها من القرارات ولكن أبرزها كان (قانون قيصر) لحماية المدنيين هكذا تسميه أمريكيا والذي طبق بتاريخ 20 ديسمبر 2019م. سوريا بقيادة بشار الاسد وهو محسوب على الطائفة العلوية والمدعوم من قبل روسيا وايران أما حكومة المنفي السورية بزعامة المعارضة السنية التي تسعي للإطاحة بنظام بشار الأسد مدعومة من الغرب وتركيا وبعض الدول العربية والإسلامية والان سوريا في حالة موت سريري بفعل الحصار الاقتصادي المفروض عليها من الغرب وحلفائه.
فرض حصار اقتصادي منذ مارس من العام ١٩٩٢م على ليبيا وذلك على إثر حادث الطائرة البريطانية الشهير وعرف بقضية لوكربي.. واستمر الحصار إلى أن اطيح بحكومة معمر القذافي بأنتفاضة شعبية إبان (الربيع العربي) وبعدها خاضت ليبيا حرب طاحنة بين ابنائها وخلاصة نتائجها انقسمت علي نفسها لشمال وغرب برئاسة الدبيبة والمدعوم من تركيا وباعتراف خجول من الغرب وبتأييد من بعض الدول العربية والاسلامية وجنوب وشرق ليبيا يتزعمها الجنرال خليفة حفتر المدعوم من الغرب والامارات ومصر .
اليمن السعيد تنحى الرئيس اليمني علي عبد الله صالح في فبراير 2012 م لنائبه عبدو ربو منصور هادي بعد انتفاضة شعبية إبان( الربيع العربي). وفي العام 2014، تحالف صالح مع المتمردين الحوثيين المدعومين من ايران، لاستعادة السيطرة على صنعاء. ومرة اخري حاول فض تحالفه لصالح التحالف العربي الذي يخوض معارك ضد الحوثيين إلا أن هذه الخطوة كلفته حياته واغتالته مليشيا الحوثيين في العام ٢٠١٧م. ومازالت الحرب مستعرة بين أبنائه وانقسموا الي نصفين الحوثيين في الشمال بدعم ايراني والسنة في الجنوب بدعم اماراتي وسعودي وغربي.
منذ مارس 1995م فرضت امريكيا عقوبات اقتصادية على ايران وحاول الغرب بكل تحالفته وابرزهم اسرائيل وبشتى السبل اختراق الجبهة الداخلية ولم يفلحوا في ذلك. وربما كان المستفيد الاول من مخطط الشرق الأوسط الجديد ايران وهي الان تتحكم في مصير امن وسلامة هذه الدول التي دفعت دم قلبها على هذا المشروع وكأن الاغدار تقول لإيران رب ضارة نافعة وهي تسيطر على معظم الممرات المائية وكذلك تخوض حربا بالوكالة لمناهضة هذا المشروع عبر ازرعها في هذه المنطقة كالحوثيين في اليمن والشيعة في العراق وحزب الله في جنوب لبنان وتمددها في سوريا. والوقوف مع المقاومة في غزة ودعمها اللامحدود للقضية الفلسطينية.
أفغانستان اجتاحتها جيوش الغرب واسقطت طالبان بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١م وانشأت اسوأ السجنون في غوانتنامو خصيصا لأسرى حركة طالبان من المجاهدين وكانت تمارس ابشع انواع التعذيب في هذا السجن. ورغم ذلك هاهي طالبان تعود من جديد وبقوة لحكم البلاد بعد هزيمة نظام حامد كرزاي كأول رئيس مؤدلج آتى فاتحا لبلاده مع الغزاة وضيقت طالبان خانقها على قوات التحالف الغربي حتى خرجت من افغانستان ملومة ومحسورة وتركت من كان يعمل معها من الشعب الافغاني يواجه مصيره على يد طالبان.
الشاهد في الأمر أن كل أزمات العالم في غالبها الاعم مصطنعة وهي لعبة مصالح والكل منشغل بمصالحه فدول العالم الاول بنت نهضتها على حساب دول العالم الثالث وهي أصلا كانت مستعمرات لهذه الدول الغربية وبها موارد ضخمة عملت على استغلالها ونهضت من كبوتها ابان عهدها الظلامى. ولم تراعي لا ألا ولا ذمة لحال ومآل هذه الشعوب وهي تتعامل بنظرية ( فرق تٌسٌدً) ونجح الغرب وشركائه إذ قاموا بادلجة الكثير من العملاء وعلى مستوى هرم السلطة في بعض الدول المستهدفة لينفذوا تلك السياسات التي تهدف إلى اضعاف هذه الشعوب واضطهادها حتي لا تصحوا يوما من غفوتها وتعرف قيمة ثروات بلدانها الحقيقية وتسعي لاستغلالها لصالح شعوبها.
الطريق الثالث.... فبعض الدول عندما احست بمكر الغرب عدت العدة منذ وقتا مبكرا وعبر الوطنيين المخلصين من ابنائها فقامت اولا بتأمين حدودها من أي تدخلات خارجية وبكافة اشكالها. ورفضت كل اشكال الدعم والمساعدات التي تأتي الي البلاد واتجهت إلى بناء الدولة وفق رؤية وطنية متكاملة واسست قاعدة بيانات لكل ثروات البلاد وطرحتها في شكل مشاريع استثمارية وسنت قوانين وطنية تعلو ولا يعلو عليها لراس المال الوطني او الاجنبي للإستثمار في البلاد. واول هذه النماذج دولة(رواندا) من منا لا يعرف رواندا وما حل بها من حرب إبادة جماعية بين (الهوتو والتوتسو) منذ العام ١٩٩٠م وحتي العام ١٩٩٣م والفوضي التي ضربت باطنابها كل ارجائها. ولكن (إذا الشعب يوما اراد الحياة ... فلابد أن يستجيب الغدر). وبالفعل استجاب الغدر لرواندا والان تحصد ثمار ما زرعته ايدي ابنائها من افعال لا اقوال بنهضة تنموية شاملة ونموا مضطردا في الاقتصاد جعلها ايقونة افريقيا.
فالنموذج الراوندى مطلوب بكل تفاصيله وبسياسة حكم الفرد الواحد في السودان لأننا جربنا ثلاثة ديمقراطيات لم يكتب لها النجاح وكانت ممارسة سياسية مهيضة الجناح تعتمد على البيوتات الطائفية التي لا تملك الا تاريخ اجدادها وهم اهل تقابة وخلاوي ودراويش وغيرها من الاهتمامات الدينية والروحية وما دخل السياسة بهؤلاء.وايضا تركنا الحبل على القارب لكل من هب ودب للخوض في شؤوننا الخاصة والعامة بل وخصص لذلك مندوبين ومبعثوين وهلمجرا.
فالحل بأيدينا لا بيد عمرو. البلاد حباه الله بتعدد الموارد ولا ينقصها إلا ادارتها بشكل جيد.
فنغلق كافة حدودنا ولو بجدار عازل وبالاخص حدودنا الغربية وقبائلها المشتركة مع دول الجوار هذه الحدود هي أس البلاء الذي نعيشه هذه الايام من حرب ضروس.واذا نجحنا في السيطرة على هذه الحدود لسبب جوهري متعلق بأن السودان يطعم ويسقي كل دول الجوار من خيراته مجانا دون أي عائد لخزينة الدولة. ناهيك عن الوجود الأجنبي ومن ذات الدول وشكل عبئا ثقيلا على البلاد والعباد.فليكن شعارنا ( السودان للسودانيين) وبعدها نفكر في وضع خطط استراتيجية شاملة لادارة البلاد. اما دون ذلك (كأنك يا ابوزيد ما غزيت).
المصدر: التاكا نيوز